|
تاريخ صدام |
 |
 |
صدام قبل الحكم
-
صدام في الحكم
-
الحياة السرية لصدام
حسين
1
- 2 -
3 |
ووفقا لرواية صدام للاحداث، فانه رشا بعض افراد حراس السجن
من المتعاطفين، لاعتقال نشطاء البعث بتهم مصطنعة وايداعهم في
السجن من اجل حمايتهم، وهكذا تم احضار عدد من البعثيين إلى
السجن، وطيلة ايام عدة كانوا يقبعون في الحبس حتى حلول
الليل، ثم يطلق سراحهم لممارسة انشطتهم ويعودون قبل بزوغ
الشمس.
كان ذلك يتم اثناء حملة التطهير التي اطلقها قاسم ضد
البعثيين في اواخر عام 1958 واوائل عام 1959. ويدعي صدام انه
افرج عنه في اوائل عام 1959، نتيجة لما وصفه بالضغط القومي،
بينما اطلاق سراحه كان نتيجة ان سلطات الادعاء العام ربما لم
تكن قادرة أو غير راغبة للعثور على الدليل الكافي لاتهامه
باغتيال التكريتي, وقال صدام انه عاد بعد ذلك إلى بغداد بناء
على طلب الحزب، حيث سأله احد الرفاق، في ما اذا كان راغبا في
اغتيال قاسم، فقبل على الفور لانه اعتبر ان هذه التهمة تشريف
وتكريم له، وبدأ بعد ذلك التدرب على استخدام الاسلحة
الاوتوماتيكية، وكانت الخطة من بنات افكار فؤاد الركابي
الأمين العام لحزب البعث الذي شغل لفترة وجيزة منصبا وزاريا
في حكومة قاسم، والذي قتل فيما بعد في احد سجون صدام.
خطة الاغتيال
كانت الخطة تقضي باغتيال قاسم، في شارع الرشيد اثناء عودته
إلى منزله من وزارة الدفاع, ولاحظ نشطاء الحزب ان قاسم يفتقر
إلى الحماية الكافية، وتم وضع خطة الهجوم بحيث تفتح مجموعة
من المسلحين نيران اسلحتها على المقاعد الخلفية من سيارة
قاسم، بينما تقتل المجموعة الثانية الجالسين في المقاعد
الامامية, أما دور صدام في مجموعة الاغتيال المكونة من خمسة
اشخاص فتمثل في التغطية لتمكين فريق الاغتيال من الفرار.
وفي الواقع فان مشاركة صدام في محاولة اغتيال قاسم تقررت في
اللحظات الأخيرة, وفريق الاغتيال الرئيسي كان مكونا من اربعة
اعضاء في البعث، بقيادة عبدالكريم الشيخلي وكان طالبا في
كلية الطب، والذي اصبح واحدا من الايديولوجيين الرئيسيين في
الحزب وأحد اصدقاء صدام المقربين.
بعد وضع الخطة، اعتذر أحد المسلحين عن المشاركة خوفا مما
سيحدث لأسرته إذا ما قتل في الهجوم، وهنا طرح اسم صدام الذي
اكتسب سمعة بعد ان قتل سعدون التكريتي برصاصة واحدة دون أن
يترك أي دليل على فعلته.
حدد موعد الهجوم يوم 7 اكتوبر 1959. وحتى يكون ملما بالمنطقة
استأجر صدام شقة أصبحت قاعدة للعملية, وأخذ يحدد أفضل
المواقع لتنفيذ الهجوم ونقاط الهروب, وتمت العملية بعد ظهر
يوم السابع من اكتوبر، لكن وبسبب الإثارة على ما يبدو سحب
صدام مدفعه الرشاش من تحت معطفه الذي استعاره من خاله خير
الله لتنفيذ المهمة وفتح النار على سيارة قاسم قبل الوقت
المقرر, وقبل ان يتمكن الآخرون من فتح النار، تمكن حراس قاسم
من مواجهة الموقف، قتل سائق سيارة عبدالكريم قاسم الذي أصيب
في ذراعه وكتفه، كما قتل أحد افراد مجموعة الاغتيال، وأصيب
صدام في ساقه، على يد أحد زملائه الذي بدأ بإطلاق النار على
كل شيء يتحرك أمامه بمن فيهم صدام.
تمكن أعضاء فريق الاغتيال الذين اعتقدوا انهم قتلوا قاسم
وانجزوا مهمتهم من الفرار إلى أحد مخابىء الحزب في العاصمة,
أما عبدالكريم قاسم فقد نقل إلى المستشفى واجري له العلاج
اللازم, ووفقا لرواية صدام فإنه بالنظر لتعذر ذهابه إلى
مستشفى، أخذ سكينا وطلب من أحد رفاقه شق لحمه وإخراج
الرصاصة، أغمي عليه لدقائق معدودة قبل أن يستعيد وعيه,
والهدف من هذه الرواية إظهاره بمظهر القوي والبطل الاسطوري
كما هي الحال في أفلام الغرب الأميركي, ولكن هذه الرواية
تتناقض مع ما رواه الدكتور تحسين الملا، الذي استدعي لمعالجة
صدام بعد محاولة الاغتيال الفاشلة، والذي قال «انه لم يكن
سوى جرح بسيط عبارة عن كشط».
كان الملا، وهو مثل الكثيرين من المعاصرين الذين اضطروا
للهرب إلى المنفى أحد الأعضاء المؤسسين لحزب البعث الذي لم
يكن عدد أعضائه وقت محاولة الاغتيال يزيد على ألف شخص, وقال:
حينذاك كان معظم الأعضاء من الأطباء، والمحامين الذين لم تكن
لهم معرفة وتجربة بالسلاح وكانوا بحاجة إلى أشخاص مثل صدام
للقيام بالمهمات «القذرة» وكان ذلك أول عمل مسلح يقرر البعث
تنفيذه.
وقت محاولة الاغتيال، كان الملا يعمل في المستشفى الجمهوري,
وبعد يوم واحد من العملية اتصل به أحد الأعضاء البارزين في
البعث وأبلغه بوجود إصابات لأعضاء في الحزب، وطلب منه
المساعدة فوافق على معالجة الجرحى، وتم اصطحابه إلى المنزل
في أحد أحياء بغداد.
وقال الملا ان أبلغ الإصابات كانت إصابة شخص يدعى سمير النجم
وقد أخرج الطبيب رصاصة من كتفه, أما عن إصابة صدام فقال انه
كان يرتدي «دشداشة» في غرفة مجاورة ولم تكن إصابته سوى عبارة
عن سحج، وبعد أيام عدة أغار رجال الأمن على المنزل واعتقلوا
من فيه والملا, أما المرشد عنهم فكان ذلك الشخص الذي اعتذر
عن عدم المشاركة في محاولة الاغتيال, أما صدام فكان قد هرب
من البيت, أما الملا فقد تمت محاكمته من قبل محكمة عسكرية
وحكم عليه بالسجن.
الأيام الطوال
ورغم ان جرح صدام كان بسيطا فقد تم تضخيمه من قبل الماكينة
الدعائية لصدام حتى ان معظم العراقيين كانوا مقتنعين بأن
صدام كاد يموت بسبب الجروح التي أصيب بها, وفي فيلم عن حياة
صدام المبكرة انتجته وزارة الإعلام العراقية وأطلق عليه اسم
»الأيام الطوال«، فقد صور الجرح على انه خطير حتى ان صدام لم
يكن باستطاعته المشي، وقد عمل صدام نفسه على ادامة وتخليد
هذه الخرافة, وعندما سئل صدام عن هذه الواقعة بعد سنوات عدة
من قبل صحافي مصري، ادعى صدام بانه لم يكن سعيدا باداء
الممثل وتصويره له لانه لم يكن مبدعا, وقال «اريد من المخرج
اعادة تصوير المشهد، لانني اتذكر ذلك اليوم وما حدث, لم اتلو
من الالم حتى بعد اخراج الرصاصة».
وتتواصل قصة صدام وما رافقها من بطولات عام 1959، بهروبه من
بغداد, ولانه، ووفق سرده للاحداث، لم يكن باستطاعته السير،
فقد اشترى حصاناً من احد الاشخاص بمبلغ عشرة دنانير وركبه
الى ان وصل الى تكريت, واشترى بعض الحشيش لحصانه وخبزا وتمرا
لنفسه, وامضى الليلة مع بدوي، وفي الصباح انطلق في رحلته
الطويلة الى سورية ثم انضم الى حفلة خطوبة في السامراء واكل
وشبع من لحم الخراف التي نحرت بالمناسبة, وفي اليوم الرابع
اعترضت طريقه شاحنتان من رجال الجمارك المسلحين, حاول التخلص
منهم، لكنهم طوقوه وشهروا اسلحتهم في وجهه, اوقف صدام حصانه
وتأكد من ان المعطف يغطي رباط ساقه حتى لا ينكشف امره, وقد
تمكن صدام من الخروج من هذه الورطة عندما طلب رؤية قائد
الجماعة الذي استفسر منه عن السبب في معاملته بهذا الشكل,
اعتذر القائد وقال انهم ظنوا بانه مهرب يلاحقونه, وعندما طلب
القائد اوراق صدام الثبوتية، رد بانه ليس لديه اي شيء لانه
بدوي.
واصل صدام رحلته الى ان وصل الى نقطة عند نهر دجلة تمكنه من
الوصول الى تكريت, حاول اقناع صاحب مركب باخذه عبر النهر،
لكن صاحب القارب رفض بسبب حظر التجول المفروض, وهنا، قرر
صدام التخلي عن حصانه والسباحة, وضع سكينه وسط اسنانه وسبح
في مياه النهر عند منتصف الليل, وكانت المياه في منتهى
البرودة وعندما وصل الى الضفة الاخرى كان على وشك الانهيار,
وقال صدام عن تلك الرحلة: «كنت مثل من تشاهدونهم في السينما
واسوأ من ذلك، ثيابي كانت مبللة، وساقي مجروحة، ولم اكن قد
تناولت ما يكفي من الطعام لايام عدة», وعندما خرج من النهر،
عرج صدام على منزل قريب بحثا عن طعام ومأوى, لكن عندما قرع
الباب، اعتقدت المرأة انه لص, ولم تكن لتدرك انه ثائر، وليس
احد اللصوص, وقد تمكن صدام في النهاية من طمأنة العائلة بحسن
نواياه واحسنت الاسرة وفادته, وفي الصباح انطلق في رحلته
ومشى طوال اليوم وحتى الليلة التالية حتى وصل الى قريته
العوجة, وبعد ايام انطلق مع بعض من زملائه البعثيين في
الرحلة الى المنفى نحو دمشق العاصمة السورية التي وصل اليها
بعد ايام عدة.
هو السبب
واذا ما اخذنا بالاعتبار ما انطوت عليه مشاركة صدام من
مبالغات في مؤامرة الاغتيال، فان من غير المرجح ان تكون
وقائع رحلته الى المنفى تبرر تلك الدراما الروائية التي قصها
كتاب سيرة حياته, معظم المسؤولين عن مؤامرة الاغتيال تمكنوا
من الهرب الى دمشق, وعلى سبيل المثال، فان الشيخلي قائد
مجموعة الاغتيال، استقل القطار للوصول الى مدينة الموصل، ومن
ثم الى سورية.
وتلقي بعض الروايات اللائمة على صدام مباشرة لوفاة عبدالوهاب
الغريري احد المشاركين في المجموعة، رغم ادعاءات صدام بانه
وفر نيران التغطية لتمكين نقل الجرحى من المكان والذي استولت
قوات الأمن على جثته، الأمر الذي مكنها بعد ذلك من التعرف
على هويات المسؤولين عن المؤامرة بسرعة, وقد سمح صدام نفسه
لأحد كتاب سير حياته بالاعتراف بأن العملية لم تكن ناجحة
تماما، لأن تنظيم المؤامرة بمجملها اتسم بالبدائية.
طوال السنوات الثلاث والنصف التالية، عاش صدام في المنفى،
بداية في دمشق وانتهاء في القاهرة.
كانت دمشق البيت الروحي للبعث، المخبأ الواضح للمشاركين في
مؤامرة الانقلاب, وبالنسبة لصدام، الذي كان في العشرينات من
العمر فقد وجد نفسه فجأة وسط أهم المنظرين السياسيين في تلك
الأيام، كان ميشال عفلق عميد حزب البعث السوري وأحد المؤسسين
للحزب عام 1944. وعلى عكس البعثيين العراقيين حينذاك، فإن
البعثيين السوريين كانوا يشكلون قوة مهمة ومن خلال ارتباطهم
بعبدالناصر أسسوا أول دولة وحدة عربية.
ورغم ان الكثيرين من المعاصرين لصدام كانوا يعتبرونه غير ذي
شأن، فإن عفلق اهتم شخصيا بصدام الشاب ورقاه إلى مرتبة عالية
بأن جعله عضوا كامل العضوية في الحزب, وقد تكون هذه اللفتة
الكريمة تعبيرا عن إعجاب عفلق الحقيقي بصدام، أو ربما وهو
الأكثر ترجيحا انها كانت تعبيرا عن الشكر لدوره في محاولة
تصفية قاسم, وبالتأكيد فإن جهد البعثيين العراقيين لقلب
الحكومة في بغداد جعلت منهم أبطالا في نظر القوميين
العراقيين, ولقيت المحاكمات العسكرية اهتماما في العالم
العربي، وقوبل تحدي بعض المتهمين البعثيين، رغم انهم يواجهون
الحكم بالإعدام، الإعجاب داخل وخارج العراق, وجادلوا بأن
واجبهم الوطني يحتم عليهم قتل قاسم لأنه سلم مقدرات البلد
إلى الشيوعيين, وعند الانتهاء من المحاكمات حكم على ستة من
المتهمين بالموت، غير ان هذه الأحكام لم تنفذ أبدا.
لعبة مزدوجة
شعر عفلق بالسرور لتوجه العنف الذي أبداه البعثيون
العراقيون، والذي سعى لاستغلال عدم الاستقرار السياسي الذي
سببته محاولة الاغتيال الفاشلة في بغداد, وفي هذا المنعطف
كان عفلق يلعب لعبة مزدوجة, رتب لطرد فؤاد الركابي وأعضاء
آخرين من قيادة البعث في بغداد تحت زعم انه لم يكن يجدر بهم
إقحام الحزب في مؤامرة الاغتيال، وعمل بعد ذلك على تعيين
مؤيديه في مناصب مهمة في حزب البعث العراقي, ورغم ان عفلق
قال فيما بعد انه لا يستطيع تذكر لقاء صدام قبل عام 1963،
فإن المنظر الهادىء وصدام أقاما صداقة ورابطة تكافلية, وكان
عفلق الذي هيمن على البعث في سورية والعراق وراء انتخاب صدام
عام 1964 في موقع مهم في القيادة العراقية لحزب البعث، وقد
رد صدام الجميل لدى توليه السلطة بأن جعل من البعثية العقيدة
السياسية الرسمية للعراق, وعندما توفي عفلق الذي أجبر على
الذهاب إلى المنفى في العراق سنة 1989، أمر صدام بإقامة ضريح
فخم لمؤسس البعث.
بعد نحو ثلاثة أشهر في دمشق، انتقل صدام والناجون من مجموعة
محاولة الاغتيال إلى القاهرة حيث انضموا إلى نحو خمسمئة شاب
من البعثيين الذين تجمعوا في العاصمة المصرية, وكانت الحكومة
السورية قد أرسلت هؤلاء إلى مصر بهدف استكمال تعليمهم, وفي
الوقت الذي شارك فيه في مؤامرة اغتيال قاسم، فإن صدام لم يكن
قد أكمل تعليمه الثانوي، وكان عبدالناصر رئيس الجمهورية
العربية المتحدة يعارض قاسم لأنه نكث بوعده في ضم العراق
للاتحاد، وكان عفلق وغيره من قادة البعث يعتقدون بأن
المشاركين في المحاولة سيتمتعون بأمان أكثر في القاهرة من
دمشق حيث كان النظام اقل استقرارا، أما الحملة لاسقاط قاسم،
فإن أمرها سيتولاه بعثيون أرفع وأكثر خبرة.
صدام في القاهرة
كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يعيش فيها صدام خارج
العراق، وبعد وصوله عام 1960 التحق بمدرسة قصر النيل
الثانوية، وكانت القاهرة حينذاك عبارة عن خلية من النشاط
السياسي، والى جانب الدراسة انخرط صدام في السياسة، وانضم
الى حزب البعث المصري، وخلال اشهر أصبح عضوا في قيادته
الاقليمية, ورغم ان نفوذ البعثيين كان محدودا بوجود ناصر
المهيمن، فقد كان ذلك العامل من بين العوامل التي دفعت
بسورية للانسحاب من جانب واحد من الوحدة سنة 1961.
وتتصف ذكريات صدام حول سنواته في المنفى بالتواضع, وقال أحد
كتاب سيرة حياته انه كان يحاكي عبدالناصر ويلعب الشطرنج، ولم
تأخذه حياة الليل في القاهرة وكان يقرأ كثيرا، وقد دعم هذا
القول عبدالمجيد فريد، سكرتير عبدالناصر، والذي كان مسؤولا
عن الاهتمام بشؤون البعثيين الشبان, وعلى حد قول فريد، فإن
السلطات المصرية ساعدته في تعليمه وايجاد شقة مناسبة، وقال
فريد: كان واحدا من قادة البعث العراقي، وكان يأتي الي بين
حين وآخر للحديث عن التطورات في بغداد، كان هادئا ومنظما،
ولم يطلب المزيد من الأموال مثل المنفيين الآخرين، ولم يكن
مهتما بالكحول او الفتيات.
كان عبدالكريم الشيخلي يبلغ عائلته من خلال الرسائل بان صدام
يمضي معظم وقته في متابعة تعليمه وانهاء دراسته الثانوية,
وقد أصبح الشيخلي، الذي شغل منصب وزير الخارجية، صديقا مقربا
ووثيق الصلة بصدام في القاهرة حتى انهما اصبحا مثل توأمين،
وكان الشيخلي الذي سيصبح من اوائل ضحايا صدام يكمل دراسة
الطب في القاهرة، ووصف صدام في إحدى رسائله لأسرته قائلا
«انه رجل هادىء لكنه ليس اجتماعيا ويعمل جاهدا لتعليم وتثقيف
نفسه».
لكن معاصرين آخرين لا يرسمون مثل هذه الصورة الوردية, صاحب
مقهى كان يتردد عليه صدام وأصدقاؤه في القاهرة، قال عنه إنه
«مثير للمتاعب وصاحب مشاكل لم يكن يدفع حسابه، وانه يثير
مشكلة لأي سبب كان», وقال حسين مجيد صاحب مقهى «انديانا»
الذي كان يتردد عليه صدام ايضا: «كنا نريد منعه من المجيء
الى المقهى، لكن البوليس جاء وقال لنا انه تحت حماية
عبدالناصر»، وعندما غادر صدام القاهرة بصورة نهائية كان
مدينا بمئات عدة من الدولارات، لكن صدام لم ينس هذا الدين,
ففي السبعينات وعندما كان نائبا للرئيس العراقي وزار القاهرة
رسميا، قام بزيارة مفاجئة للمقهى، دفع فاتورته بالكامل وترك
لصاحبه مبلغ ثلاث مئة دولار كبقشيش, وفي القاهرة سرت اشاعات
واتهامات بان صدام قتل مواطنا مصريا سنة 1960 بالقائه من
نافذة شقته، وايضا اتهم بقتل مواطن عراقي عام 1963، لكن لم
تسجل ضده أي من هذه الاتهامات.
صدام كان يعتبر اقامته في القاهرة أشبه بحكم بالسجن, تمكن من
اكمال دراسته الثانوية والتحق بجامعة القاهرة لدراسة
القانون، لكنه لم يكمل دراسته، غير انه تمكن من تأمين الحصول
على شهادة بعد سنوات عدة، عندما تقدم للامتحانات السنوية
بجامعة بغداد وهو يرتدي بزته العسكرية, وضع مسدسه أمامه على
المقعد، وفي نهاية الأمر وصل إلى مبتغاه.
العلاقة مع الـ «سي,آي,إيه»
تميزت اقامة صدام في القاهرة بحدثين مهمين آخرين في حياته -
زواجه الأول وتعاملاته المبهمة مع وكالة المخابرات المركزية
الاميركية, زواجه من ابنة خاله ساجدة تم أثناء دراسته في
جامعة القاهرة, وقد عاشا طفولتهما في تكريت مع خاله خير
الله, ولم يتزوج الاثنان حتى عودة صدام الى العراق سنة 1963.
أما حفل الزواج فقد نظمه صديقه عبدالكريم الشيخلي.
والحدث المهم الآخر بالنسبة لصدام يتمثل في العلاقة مع »سي
آي ايه« التي يكتنفها الغموض, لكن هناك أدلة موضوعية كافية
توضح أن صدام أجرى اتصالات مع محطة «سي آي ايه» في القاهرة.
يحتل العراق قلب الشرق الأوسط، وكان ينظر اليه من قبل واشنطن
كموقع استراتيجي مهم, ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة قد
شجعت انشاء حلف بغداد المعادي للسوفيات، منظمة الدفاع
الإقليمي التي شكلت في أواسط الخمسينات وتضم بريطانيا،
تركيا، ايران وباكستان, وفي الواقع فإن الأميركيين كانوا
ينظرون بعين القلق ازاء مستوى عدم الاستقرار السياسي في
بغداد عقب الاطاحة بالملكية حتى أن الن دالاس مدير وكالة
المخابرات المركزية الأميركية أعلن سنة 1959 قائلا: «ان
العراق هو أخطر بقعة على الأرض, وبحلول عام 1961 فإن
التطورات السياسية في المنطقة دفعت الأميركيين للتحرك في
مواجهة ما اعتبروه محاولة سوفياتية خطيرة للسيطرة على الشرق
الأوسط».
تم التعبير عن القلق إزاء صفقات عبدالناصر من الأسلحة مع
موسكو، فيما اشتبه بأن السوفيات كانت لهم يد في قرارت
عبدالكريم قاسم بالاعتماد على الشيوعيين العراقيين ببقائه في
السلطة, أما قرار قاسم من جانب واحد بالانسحاب من حلف بغداد
سنة 1959 والذي جعل من المنطقة عرضة أكبر للتسلل السوفياتي
والاعتماد بصورة متزايدة على المساعدات الأجنبية السوفياتية
والامدادات العسكرية، فإنه اثار شكوك واشنطن, وقد تزايد قلق
الغرب بصورة أكبر عام 1961 عندما حاول قاسم احتلال الكويت،
وتأميم جزء من شركة البترول العراقية المملوكة للأجانب، وهي
خطوة تتصف بالسمعة والأصداء السيئة في نظر الأميركيين في ضوء
برنامج عبدالناصر التأميمي الذي نفذه خلال سنواته الأولى في
السلطة.
كان المصريون برئاسة عبدالناصر مصممين حالهم حال الأميركيين
على التأثير على التطورات السياسية في الشرق الأوسط، ولاسيما
ان قرار سورية عام 1961 بالانسحاب من الجمهورية العربية
المتحدة قد مثل طعنة لطموح عبدالناصر بإنشاء دولة عربية
متحدة, ولهذا السبب فإن العراق الذي نكث بوعده الانضمام الى
الجمهورية العربية المتحدة عندما استولى قاسم على الحكم كان
يحظى باهتمام خاص بالنسبة للمصريين، وكانت المخابرات المصرية
نشيطة، كما هي حال وكالة المخابرات المركزية الأميركية في
إقامة حكومة متعاطفة في بغداد.
عميل الوكالة
ولما كان قد شارك في محاولة للاطاحة بقاسم فلم يكن من
المفاجئ ان تثير انشطة صدام وزملائه من البعثيين المنفيين
الاهتمام الشديد من كلا من المخابرات المصرية والاميركية على
حد سواء, وقد اصيبت العلاقات بين المنفيين البعثيين والسلطات
المصرية بالفتور بعد ان انسحب البعثيون السوريون من
الجمهورية العربية المتحدة، وهي خطوة لقيت التشجيع من ميشال
عفلق معلم صدام, ويدعي كتاب سير الحياة ان صدام ابقي قيد
المراقبة اللصيقة في القاهرة، وانه كان يتعرض للمضايقة
باستمرار وتم تفتيش شقته في مناسبات عدة.
لكن ايا من كتاب سير حياته، لم يذكروا شيئا عن زيارات صدام
المتكررة في هذه الاثناء الى السفارة الاميركية في القاهرة,
كان الاميركيون ولاسباب مختلفة مهتمين مثل صدام بازاحة
عبدالكريم قاسم من السلطة، وهناك ادلة موضوعية قوية تشير الى
ان صدام كان على اتصال وصلة وثيقة مع »سي اي ايه« خلال
الفترة الاخيرة من اقامته في القاهرة, ورغم ان مدى تودد
واشنطن الحقيقي من صدام قد لا يعرف ابدا، فانه لا يمكن
التقليل من شأن ان صدام حسين بدأ حياته السياسية كعميل
لوكالة المخابرات المركزية الاميركية, وكان اقرب الاشخاص
لالقاء الضوء على هذا الجانب المحلي من حياة صدام قد تمثل في
لقاء بين الكاتبين مارلون سلاغليت وبيتر سلاغليت ومسؤول رفيع
سابق من وزارة الخارجية الاميركية الذي اكد لهما ان صدام
حسين وغيره من البعثيين قد اجروا اتصالات مع السلطات
الاميركية في اواخر الخمسينات واوائل الستينات, وبالتأكيد
فإن القضية كانت تمثل حساسية مفرطة بنسبة لصدام الذي عمد
اثناء حياته السياسية الى تصفية المعاصرين العراقيين الذين
كانوا في موقع يمكنهم من القاء الضوء على مآثره التجسسية.
المصدر: www.iraq4all.dk/Book/Sadaam |
|
|
|
|
| |
|
|
|